الشيخ محمد هادي معرفة
399
التفسير الأثرى الجامع
نعم إنّهم آيسون من الآخرة على قدر ما هم حريصون على حياة الدنيا . وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ . * * * [ 2 / 2733 ] قال عليّ بن إبراهيم : أحبّوا العجل حتّى عبدوه ، ثمّ قالوا : نحن أولياء اللّه ! فقال اللّه - عزّ وجلّ - : إن كنتم أولياء اللّه كما تقولون فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ إذ قد جاء في التوراة : إنّ أولياء اللّه يتمنّون الموت ولا يرهبونه . « 1 » وقال أبو جعفر : وهذه الآية ممّا احتجّ اللّه بها لنبيّه محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم على اليهود الّذين كانوا بين ظهرانيّ مهاجره ، وفضح بها أحبارهم وعلماءهم . وذلك أنّ اللّه - جلّ ثناؤه - أمر نبيّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أن يدعوهم إلى قضيّة عادلة بينه وبينهم فيما كان بينه وبينهم من الخلاف ، كما أمره اللّه أن يدعو الفريق الآخر من النصارى إذ خالفوه في عيسى ( صلوات اللّه عليه ) وجادلوا فيه إلى فاصلة بينه وبينهم من المباهلة « 2 » . وقال لفريق اليهود : إن كنتم محقّين فتمنّوا الموت ، فإنّ ذلك غير ضارّكم إن كنتم محقّين فيما تدّعون من الإيمان وقرب المنزلة من اللّه ، بل إن أعطيتم أمنيّتكم من الموت إذا تمنّيتم فإنّما تصيرون إلى الراحة من تعب الدنيا ونصبها وكدر عيشها ، والفوز بجوار اللّه في جنانه ، إن كان الأمر كما تزعمون أنّ الدار الآخرة لكم خالصة دوننا . وإن لم تعطوها علم الناس أنّكم المبطلون ونحن المحقّون في دعوانا ، وانكشف أمرنا وأمركم لهم . فامتنعت اليهود من إجابة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلى ذلك ؛ لعلمها أنّها إن تمنّت الموت هلكت فذهبت دنياها وصارت إلى خزي الأبد في آخرتها . كما امتنع فريق النصارى الّذين جادلوا النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في عيسى - إذ دعوا إلى المباهلة - من المباهلة ؛ فبلغنا أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال : « لو أنّ اليهود تمنّوا الموت لماتوا ولرأوا مقاعدهم من النار ، ولو خرج الّذين يباهلون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لرجعوا لا يجدون أهلا ولا مالا » . [ 2 / 2734 ] حدثنا بذلك أبو كريب ، بالإسناد إلى عكرمة ، عن ابن عبّاس ، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم .
--> ( 1 ) القمّي 1 : 54 ؛ البحار 9 : 186 / 15 . ( 2 ) يشير إلى قوله تعالى في الآية 61 من سورة آل عمران : فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ .